الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

354

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على حقيقته مما تمزج به الخمر ولعل ذلك كان من شأن أهل الترف لأن الكافور ثمين وهو معدود في العطور . ومن المفسرين من قال : إن كافور اسم عين في الجنة لأجل قوله عقبه عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ وستعلم حق المراد منه . وإقحام فعل كانَ في جملة الصفة بقوله : كانَ مِزاجُها كافُوراً لإفادة أن ذلك مزاجها لا يفارقها إذ كان معتاد الناس في الدنيا ندرة ذلك المزاج لغلاء ثمنه وقلة وجدانه . وانتصب عَيْناً على البدل من كافُوراً أي ذلك الكافور تجري به عين في الجنة من ماء محلول فيه أو من زيته مثل قوله : وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [ محمد : 15 ] . وعدي فعل يَشْرَبُ بالباء وهي باء الإلصاق لأن الكافور يمزج به شرابهم . فالتقدير : عينا يشرب عباد اللّه خمرهم بها ، أي مصحوبا بمائها ، وذهب الأصمعي إلى أن الباء في قوله تعالى : يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ بمعنى ( من ) التبعيضية ووافقه الفارسي وابن قتيبة وابن مالك ، وعدّ في كتبه ذلك من معاني الباء ونسب إلى الكوفيين . و عِبادُ اللَّهِ مراد بهم : الأبرار . وهو إظهار في مقام الإضمار للتنويه بهم بإضافة عبوديتهم إلى اللّه تعالى إضافة تشريف . والتفجير : فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على الاستقاء منها بلا حدّ ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعا وهذا من الاستعارة . وأكد فعل يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ترشيحا للاستعارة . [ 7 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 7 ] يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) اعتراض بين جملة يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ [ الإنسان : 5 ] إلخ وبين جملة وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان : 15 ] إلخ . وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة . فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا ، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا . والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات ، بعضه وصف لحالهم في